قليلة هي المدن التي تتسلل إلى قلبك من أول مصافحة ، وكذلك تلك التي تقودك إلى نفسك بعد طول ضياع . مدنٌ تبثك مشاعرها وتبثّها مشاعرك ، وكأنّك تتهامس مع حبيبة لطالما افتقدت وصالها ، فظهرت في طريقك فجأة ملوّحة لك، لتنسى كلّ ما عانيته قبلها من جفافٍ أودى بكل آمالك وطموحاتك في الحياة .
مدنٌ حية تفوح مبانيها وأزقتها بعبق التاريخ ، فلا تدخل إليها وتخرج إلا وقد أسرّت لك ببعض أسرارها ، فتختال في سيرك كونك تحمل بعضًا منها ، وتأبى أن يشاركك بها أحد ، لأنّ من يدخل إلى المدن العظيمة وفي نيته أن يكون عابرًا ، ستبخل عليه تلك المدن بأسرارها ، وسيظل عابرًا حتى وإن ادّعى الإقامة فيها .
ومدينة جدة إحدى هذه المدن الحيّة والعريقة عراقة القاهرة والقيروان وبغداد ودمشق . مدينة بدأ حضورها منذ عهد الخليفة الراشد عثمان بن عفان ـ رضي الله عنه ـ عندما دشّنها ميناء لمكة المكرمة بدلاً من ميناء الشعيبة ، لتصبح فيما بعد حاضرة في وجدان العرب والمسلمين ، وفي كتب الرحالة الذين مرّوا بالحجاز ، ودوّنوا في كتبهم مشاهداتهم المتباينة عنها .
وللماء مع جدة حكاية قديمة قدم الأرض ، فقد أوغلت في الماء وأوغل فيها حتى صارت مدينة الماء ، فهي ربيبة البحر وكاتمة أسراره ، ولها مع كل موجة ترتطم بشواطئها قصة بلل ، تخفف من صلابة اليابسة ، وتلين بفضل روايتها أقسى القلوب ، وقد تولد منها قصة حب بين حبيبين ، جمع بينهما شاطئ ضيق وبحر يتسع لنظرات ملايين العشاق .
جدة التي لا تضحك من هطول المطر كبقية أرض الله ، بل تبكي وترتعش وتغرق ، رغم أنها ليست المدينة الوحيدة التي تجاور الماء ، أو تقف مختالة على صدره ، فهناك مدن كثيرة في أنحاء العالم لا تختلف جغرافيّتها عن جدة ، ومع ذلك فهي لا تعاني من تسلّط الماء عليها ، بل إنّ مدينة مثل البندقية يتنقل أهلها وزوارها بين أزقتها بالقوارب ، ولم يتعرّض أهلها للغرق ولا سقطت أبنيتها من تغوّل الماء .
جدة التي إذا داهمها المطر لا يملك ساكنها سوى أن يغني بأسى : " يا طفلةً تحت المطر " ، حيث تستسلم لانهماره الغزير استسلام طفلة لا حول لها ولا قوة ، مع أنها كانت فيما مضى تفرح بالمطر وتغتسل به كأي مدينة أخرى ، وتدرأ الغرق عن نفسها بأوديتها التي تصل إلى البحر بيسر وسهولة ، لأنّ يد الإنسان لم تمتد بعد إلى جسدها لتشوّهه ، ولا لتترك عليه أوشامًا تجرّدها من أنوثتها ومن جمالها الطبيعي .
ولأنّ جدة كالمرأة في حضورها الفاتن ، فهي تحب الملاطفة وانزلاق النظرات على جسدها الجميل ، وتحفل بكل كلمة إطراء تقال في محاسنها ، فلابد أن نحرص على حماية جسدها من خربشاتنا ، وأن نتعامل معها بلطف المحبين ، فالسيل الأخير جرف معه كل شيء ، إلا إيماننا بالله ثم ثقتنا بأنفسنا وبمدينتنا .